كلثومة ابليح: سُرادِق أبي.. بمشاعر رقمية


 

بقلم الأستاذة كلثومة ابليح



آهٍ وآهٍ لم أغسّل أبي.. طلبتُ التألم لا الموت، للداء دواء وبين وفاة والدي أجهض الدواء وانتصر الوباء، ما أنا إلا وديعة له في الدنيا أدعو له، مسح "الخدير" مدمع العين الرقراق بكمّ سريدته السوداء فاض حرقة بألم الفراق.. والفقد بمحق الوباء.

راقب عملية الدفن على بعد أمتار، اقترب جاثيا على ركبتيه متأملا الجثمان، قبّل حفنة تراب بعطرها المطري فغطت بعض تفاصيل جسد والده ومع كل كومة تراب يعلو صوت الفقيه، التقطتا أذنا الخدير آية ((قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا*هذا ما وعد الرحمان وصدق المرسلون)) فانهار بكاء.

مواقع التواصل أضحت بيوت المعزين، ودفاتر من ينعي الجثامين، لا أحد في صالة تقديم العزاء هنا، عدد لا يتجاوز الخمس أفراد على الوضيمة، اختُتِم الدعاء بسورة "يس" لا أحباب لا أصحاب، فضاء يتيم، ساد صوت عليل لحفيف شجر الفناء وخرير مياه أندلسية تقطعه تلاوة سعد الغامدي.

اخترقتُ التراب بيدي لأجد والدي دافئا شاخص البصر في ابتسامة غير مترددة، عند رؤيته جلبابه المخطط على كتفي وعمامته تسبّح بياضا بالمسك، تفاصيل مهيبة على وجنتيه ينداح بالحياة الطافرة الغامرة، لكن الوهن الحسير أذلنا من فرط حب الدنيا وكره الموت، ماذا تغير يا إبني؟ ملابسي أشيائي أتقاسمها الفقراء؟ بدا الحاج البشير وهو يرتشف الشاي في هدوء بال، يتحدث عن غلاء الأسعار كأنه مطمئن لوفاتي، الجار الجديد احتل الرصيف أخيرا أراحه الموت من جدالي، بسويعات تغير الجميع.

أيها الموتى أخرجوا رؤوسكم من القبور فسُرادق عزائكم خالية، انظروا إلى ما كنا على وشك كتابته ولم نكتبه، أخافنا الوجع، أوقفوا نبضكم، اغمضوا عيونكم، أعيدوا أنفاسكم، أوقفوا حركات أجسادكم، فالرحمة لا تستطيع أن تعود بكم القهقرى، بعد موتكم قليلاً لا تصدقوا من يقول لن ننساكم، لا تصدقوا الحب، لا تصدق كل من يقول عن الموت أشياء لم يختبرها، هيهات هيهات، لا تغترّوا بحياة تقود نحو الممات لا يُسمَع في أركانها إلا فلان مرض وفلانَ مات.

لم يحضر عزائي من كنت أهتم لهم كثيرا، لم يكثرت لغيابي من اهتممت في فقدهم غابوا، في يومٍ متّ ويومَ يموتون مرتين، سيقصم ظهورهم ويتوسّد غرورهم التراب.

إبني الخدير يشاع أنك لو علمت الطريقة التي سينساك بها الناس بعد موتك ستجعلك لا ترضي أحدا غير ربك، فارضِ ربك.. ربك.. ربك.

سقط الخدير من غفوته بعد تنهيدة مؤلمة أزاحت صورة والده على صدره، طبعا سينساك الجميع كما نسوا الغريق والحريق.

التهمت كورونا كل الجفون وأحرقت كل البطون وأسرّت في نفسها نية القتل المتعمد، لم يمنعها أحد، لم ينقذ الحبيب حبيبته ولا الأخ أخته ولا الولد والده، دون جدوى اضطرت إلى إتمام الموت المعلن في عشوائية لأن القدر سيجعلها للمرّة الأولى في حياتها توصِد الباب الرئيسي الذي يمكّنها من أن تنفذ إلى داخل كل روح وجسد.

0/Post a Comment/Comments