حديث الأربعاء : ارتباط الناشئة بالشعر العربي الأصيل

الأستاذ المختار مجيديلة يحاور:
و نحن نتتبع هذا الشغف الذي جمع شبابنا بالشعر و تعلقهم بفن أدبي عربي أصيل و طريقة بحثهم و الغوص في بحوره و ضبط أنواعه.. و ما يزيد الغرابة في الأمر أن حتى الناشئة الحديثة تجدها تحفظ منه الكثير و تلقي أبياته محافظة على أوزانه و قوافيه كان لابد أن نفتح نقاشا في الموضوع فاختارنا أستاذا شاعرا عاشر الشباب و الأطفال و علمهم أدب الشعر على أصوله  و سألناه عن أسباب كل هذا.. فكان هذا الحوار شيقا ممتعا.. فشكرا لك أستاذي رضوان رحالي على قبول دعوتنا.



السيد رضوان رحالي بداية نشكرك على قبول دعوتنا في برنامج حديث الأربعاء الذي تقدمه جريدة طانطان 24 الإلكترونية.. 
إذا كان ممكنا في البداية أن تقدم لنا نبذة عن حياتك

باسم الله و الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله 
في البداية، دعني أقدم شكري للقائمين على هذا الموقع الطنطاني "طانطان 24 " و الذين أكن لهم كل الاحترام و التقدير، لما يقدمونه من تضحية و جهد من أجل أن تظل شمس هذه المدينة الحبيبة مشرقة، كما أقدم شكري لصديقي المختار امجيديلة على أن منحني هذه الفرصة لأتحدث عن تجربة قد لا تكون مثالية في مجمل مراحلها، لكنها قد تكون ملهمة للبعض على الأقل.
رضوان أحمد محمد رحالي، أطلقت صرختي الأولى في اليوم السادس من الشهر الحادي عشر لسنة سبع و سبعين و تسعمائة و ألف، بمدينة تارودانت العزيزة، هواري الأب روداني الأم، 
عملت أستاذا للغة العربية بمدينة طانطان (2003-2013)، مهتم بالشعر والقصة والمسرح، وكل أصناف الكتابة ، أعمل حاليا مديرا بثانوية ابن طفيل الإعدادية بمدينة الداخلة – وادي الذهب، ما زلت إلى الآن أطور آليات الاشتغال مع التلميذ داخل الأندية التربوية بالمؤسسات التعليمية .
      


  • نعرف جيدا أن بين الأستاذ رضوان رحالي و الشعر علاقة حميمة قديمة هل يمكن أن تحدثنا عنها أسبابها و بدايتها و كيفية تطورها


أسبابها : 
أنا ابن البادية، من أسرة محافظة، دخلت الكُتَّاب وأنا صغير، هناك بدأت علاقتنا باللغة العربية الفصحى من خلال " اللوح " الذي كنا نعتمده لحفظ القرآن، كنا من المواظبين على قراءة الحزب الراتب بعد صلاة المغرب، أول ما تلقيته من شعر كان متن "البردة والهمزية" للإمام " شرف الدين البوصيري" في مدح خير البرية محمد صلى الله عليه و سلم :
مطلع قصيدة البردة :
مولاي صلّ وسلّــم دائماً أبداً ... على حبيبك خيــــر الخلق كلهم
أمِنْ تَــذَكِّرِ جيرانٍ بــذي سَــلَم ... مَزَجْتَ دَمعــا جرى مِن مُقلَةٍ بِدَمِ 

مطلع قصيدة الهمزية :
كَيْفَ تَرْقَى رُقيّكَ الأَنْبياءُ ... يا سَمَاءً مَا طَاوَلَتْها سَمَاءُ
لَمْ يُسَاوُوكَ في عُلاَكَ وَ قَدْ ... حَالَ سَنًى منْكَ دُونَهُمْ وَ سَنَاءُ 

هاتان القصيدتان كنا نصدح بهما بعد قراءة الحزب الراتب بشكل جماعي، و على لحن واحد، لا يمكن أن أصف روعة اللحظة و نحن نتنافس في رفع الأصوات حتى تَبَحّ حناجرنا ونتصبب عرقا.
لم أكن أدري آنذاك و أنا أردد هاتين القصيدتين بمشاركة الكبار و الصغار، أنني أرسم مستقبلي بعد ثلاثين عاما .
البداية :
بالمرحلة الإعدادية بدأت أشاكس الحرف، و أحاول كتابة ما يشبه الشعر، لكنه بعيد عن الوزن،
أحفظ من الشعر كل ما يقع بين يدي ، شيئا فشيئا بدأت معالم الطريق تتضح لتتطور بالمرحلة الثانوية التي تخصصت فيها بإلقاء قصائد "نزار قباني" السياسية و قصائد "محمود درويش" وحتى الشاعر التونسي "أحمد الصغير" في كل الأمسيات التي كنا ننظمها بالمؤسسة، أو خارجها .
و مع ذلك أكاد أجزم أن ميولا نحو "الزجل" كان يتربص بي، ربما بداوتي كان لها بالغ الأثر في ذلك .
في الجامعة، أشارك في كل المسابقات الشعرية "زجالا" لا شاعرا فصيحا .
إلى أن استسلمت يوما لأستاذي الشاعرالروداني  "مولاي الحسن الحسيني" الذي كان يلح علي دائما في أن أخوض غمار الشعر الموزون، لقنني ألحان البحور في خمس دقائق و قال لي اكتب، بدأت أضحك ساخرا من نفسي، مستصعبا التجربة التي دخلت غمارها لتوي، لكنني تذكرت لحن البسيط و الخفيف اللذين تلقيتهما في بداياتي بمسجد "دوار الفقرا"، و ربطت الأمس باليوم، فأدركت أن الأقدار تهيئني لأمر ما .
كتبت أول أبياتي بحضرة أستاذي و شيخي مولاي الحسن الحسيني(أبو هاشم) على بحر الوافر :
"تكسّرت النصال على النصال" ... أبا ل "هُوَيشمٍ" لا لا تبالي
فإن تحضن عصافيراً خماصاً ... تصر نسراً يُحلّق في الأعالي
تصر سبُعا يُزمجر مستشيطاً ... و يُخضع كل وحش بالجلال
التطور :
التحقت بسلك التربية و التعليم سنة 2003، فاكتشفت الأمر الذي كانت تهيئني له الأقدار، إنهم أبناء هذا الشعب الذين ينتظرون من أساتذتهم كل شيء، فكان ما كان.
أخذت عهدا على نفسي أن أكون من خُدّام لغة القرآن، و أن أبذل ما استطعت في سبيل إعادة الاعتبار لرجل التعليم، و سلكت لذلك طريق الشعر و المسرح و القصة و كل فنون الكتابة.



هل تعتقد أستاذي في ظل هذا التطور التكنولوجي و انتشار المعلومة و سهولة الحصول عليها أننا لازلنا في حاجة إلى نظم الشعر و هل لازالت أدواره مهمة في حياتنا


سأجيبك بما أجبت به الإعلامي الأستاذ أحمد العهدي في برنامجه الإذاعي "صباح الداخلة"، قبل يومين، حيث سألني عن دور الشعر في ترسيخ القيم :
سأنطلق من تجربتي مع التلاميذ الشعراء بنادي الثريا للقراءة و الإبداع، حيث زارتني يوما إحدى الأمهات ، قالت لي: قد لا تدرك أهمية ما تقوم به مع أبنائنا ، لكننا نشكرك في السر و العلن، هذا الشعر الذي صار يسكن ابني ، نقله من عالم الى عالم ، قلت كيف ذلك ؟
قالت : ابني كان عنيفا معي ،و مع إخوته ، و حتى مع نفسه ، قليل الأدب معنا و مع المحيط، و لم يكن يهتم أبدا لدراسته .
لكنه انقلب من الصورة التي ذكرتها لك إلى صورة ترتضيها كل أم لابنها ، فبارك الله فيك وجزاك عنا كل خير. ثم انصرفت 
هذه الزيارة تركت في نفسي شعورا بالرضى لا يوصف ، و إصرارا على الإخلاص لهذه الأمانة التي حُمّلتها.
السؤال : ما الذي جعل هذا التلميذ يتغير بهذا الشكل ؟؟ 
وجدت أن القيم التي يتشرّبها من خلال القصائد التي يقرؤها ،أو التي نشتغل عليها، فيعيد إنتاجها بطريقته الخاصة ، هي السر في تحويله من ابن عنيف قليل الأدب، إلى آخر متسامح خلوق كما صرحت بذلك والدته.
ثم، هل كنت لأكون ضيفك صديقي المختار ، و ضيف هذا الموقع المحترم "طانطان 24" لولا الشعر ؟؟
غير أن الشعر الذي أقصده هو ذلك المتعالي و المتسامي و المكرس للقيم النبيلة ، الذي جعل عنترة بن شداد ينشد:
إِنّي اِمرُؤٌ سَمحُ الخَليقَةِ ماجِدٌ ... لا  أُتبِعُ النَفسَ اللَجوجَ هَواها

الذي يكتب اليوم و تجده يحرض على العنف و الرذيلة ، و الشقاق ، أقول له ، إن بوصلتك الشعرية أخطأت عنوانها. 


بالنسبة للناشئة و هذه الأجيال الجديدة بحكم تجربتك ألازالت تعرف رغبة و شوقا للتعرف على مبادئ الشعر و قواعده



هذه مسؤوليتنا، و ليست مسؤولية هذا الجيل الضحية..
علينا أن ننتشل أبناءنا من مستنقع القذارة، و التفاهة، و نرتقي بهم و بذائقتهم الفنية بكل ألوانها،
جيلنا تعامل مع الكتَاب، و قلّبه ورقة ورقة، كتب رسائل العشق حرفا حرفا، و كلمة كلمة،على ضوء الشموع وقناديل الزيت، وبعث بها إلى الضفة الأخرى، واستسلم لشبح الانتظار.
جيلنا هيّأ له الله أسباب التفوق، معلمين و أساتذة مخلصين للرسالة، لا هم لهم إلا إنتاج بضاعة جيدة تصلح للقيادة ، و اليوم جاء دورنا لرد الجميل.
إن كان المعلم(ة) و الأستاذ(ة) يمتلكان مشروعا ، و يعتبران التعليم رسالة،  فلا خوف على هذا الجيل رغم كل هذا السخف الذي يحيط به .
دورنا صديقي المختار، هو إذكاء رغبة هذا الجيل، و تحفيز شوقه للتعرف على الجمال حيثما كان و كيفما كان :شعرا، مسرحا، موسيقى...



كانت لك أستاذي رفقة ثلة كبيرة من الأساتذة تجربة مهمة و رائدة في مدينة طانطان من خلال جمعية أساتذة اللغة العربية حدثنا عنها في بضعة أسطر


تلك تجربة ساق الله لها رجالا لا يعرفون المستحيل، و لا ينتظرون أجرا و لا جزاء مقابل ما يقومون به ، آمنوا بالرسالة فآمنت بهم، و أخلصوا لعملهم فأخلص لهم.
حظيت بشرف رئاسة الجمعية، منذ التأسيس سنة 2008، إلى أن غادرت طانطان سنة 2013، ليخلفني صديقي عبد العزيز المؤذن بعد ذلك.
اشتغلنا على مستويات عدة: الشعر و القصة و البرمجة اللغوية العصبية و الفنون التشكيلية ...
فعّلنا الأندية داخل المؤسسات، و كانت الخطة أن يهيّء كل أستاذ تلاميذه خلال الأسبوع، ثم نلتقي جميعا صباح يوم الأحد لعرض الحصيلة، وتأطير أزيد من مائة تلميذ(ة) بشكل جماعي. كان جمال اللقاء و الاحتفال لا يوصفان ، كنا نَنْحت الصّخر على مهل. ينتظرنا موعد ألفَته المدينة كلها، الملتقى الدولي للشعر بمناسبة اليوم العالمي للشعر، الذي يصادف 21 مارس من كل سنة، تستضيف فيه الجمعية ضيوفا و فنانين من داخل المغرب و خارجه، كما نكرم فيه جامعة من جامعاتنا المغربية، و التي نخصص لها اليوم الأول لتقديم ندوة حول قضايا اللغة العربية.
لكن الأجمل، هو لحظة تكريم أزيد من ثلاثين تلميذا و تلميذة في كل ملتقى، تفوقوا في مختلف الفنون.
 خمس سنوات كانت كافية لإخراج كتابين إلى الوجود : ديوان شعري للشعراء التلاميذ "شقائق النعمان " من تأطيري ، و كتاب نثري " مرايا " من تأطير الأستاذ عبد العزيز المؤذن، و طبعا تحت إشراف أساتذة الجمعية في تلك المرحلة (علي لهبوب-ابراهيم زخار-نادية التازمي-كريم نورالدين-أحمد أمليح-محمد بلحاج-أنور ترفاس-عبد الكريم جمعاوي، و المتعاطف معنا الأستاذ سعد عبداتي).
 تلك في نظري أجمل لوحة تتلاحم فيها انتظارات المسؤول، وإنجازات المربي(ة)، وسعادة المتعلم(ة)، ورضى الأسرة. 
   


في نظرك كيف يمكن الحفاظ على الأنشطة و المشاريع الثقافية و الفنية الكبرى التي تنظم في بعض المدن الصغيرة و التي غالبا لا تلقى دعما رسميا


باستمراريتها رغم الظروف..
من حسنات الأنشطة و المشاريع الثقافية في المدن الصغرى كالطنطان، أنها تكتسي قيمة معنوية أكثر من قيمتها المادية، فتكون مشحونة بالعواطف الصادقة، التي تمنحها الاستمرارية رغم ما يشوبها من عناء و جهد، و تَعرُّضٍ للمذلة في الكثير من الأحيان، خصوصا عندما تضطر لطرق الأبواب الموصدة لتوفير الدعم المادي.
ألا ترى أن الأم تلعن اللحظة التي قررت فيها الإنجاب بسبب ألم المخاض، و ما إن تتناهى إلى أسماعها صرخة صغيرها حتى تنسى الآلام و الأوجاع؟، و ما هي إلا سنة أوسنتان حتى تعود حليمة إلى عادتها القديمة.
تلك قصة المجانين مع كل دورة من الدورات، أو ملتقى من الملتقيات، لكنها قصة يكتبها التاريخ بمداد من الفخر و الاعتزاز.  


في الختام أشكرك أستاذي على تلبية الدعوة و ألتمس منك كلمة أخيرة لكل الشعراء الشباب متتبعي جريدتنا



- نصيحة أكررها دائما بنادي الثريا للقراءة و الإبداع : الكتابة لديها عزة نفس غريبة جدا ، إن تخليت عنها تخلت عنك .. الكتابة منحة من حازها ,, فليعضّ عليها بالنواجد 
- و لكن كي تكتب لا بد أن تقرأ 
- اقرأ الشعر أي شعر ، و احفظه و انسه، لكن إذا أردت أن تنضح بشيء يخلدك، فاقرأ الشعر الذي يمجد القيم الإنسانية و يواجه المبتذل.
- : فالشعر الآن يحتاج إلى شاعر يعانق الأفق الإنساني. كما قال  الناقد خالد بلقاسم
- و لا تكن عجولا . فالشعر كالشاي الجيد .. لا يستوي إلا على نار هادئة .

اختم وصيتي للشعراء و الإعلاميين على حد سواء، ببيتين  للإمام الشافعي رحمة الله عليه 
وما من كاتب إلا سيفنى ... و يبقي الدهر ما كتبت يداه
فلا تكتب بخطك غيرشيء... يسرك في القيامة أن تراه