الإنسان أولا...


بقلم حمادي سركوح
تعرضت طفلة صغيرة لحادثة سير وكنت من بين الحاضرين والشهود على ذلك، يبدو من الوهلة الأولى أن الطفلة منبطحة على بطنها والدموع في عينيها، بعض الجروح على مستوى اليدين والأنف مع وجود انتفاخ شديد بمقدمة الرأس، حاولت أن اتمالك نفسي وطلبت من الجمهور الإتصال بالاسعاف فهاتفت على الفور أب الطفلة دون إخباره بأي شئ فقط امرته بأن يلتحق بي على مستوى موقع الحادث وأن يحااول ربط الاتصال بالاسعاف فكان ذلك، وأول الملاحظات التي تارث انتباهي صراااحة هي محاولة بعض الأشخاص تحريك جسد الصغيرة الملقى على الإسفلت وهذا امر خطير جدا وقفت ضده وعارضته وتكلمت معها بلغة الصغار بألا تتحرك وأن تبقى هادئة الى حين وصول الإسعاف والطبيب لحملها بالشكل الصحيح، أخيرا، وصلت الوقاية المدنية فتكلفت بالإجراءات اللازمة المتبعة غالبا في مثل هذه الحالات كونها صاحبة الإختصاص، رافقت الصغيرة الى المستشفى الإقليمي، وانا في طريقي، طرحت السؤال على الاطفائي لماذا تأخرتم؟؟؟ فكان جوابه أنه توجد سيارة إسعاف وحيدة و أن حوادث السير الكثيرة تزامنت في وقت واحد في أماكن مختلفة مما صعب عليهم تغطيتها، وبينما هو منهمك في مسح بعض الدماء والأتربة من على وجه الصغيرة ، كان يتبادر الى ذهني كيف ينتظر ضحايا حوادث السير ممن ينزفون حتى تدركهم الموت قبل مجيئ الإسعاف...
في بحر الأسبوع الماضي، استقبلت المدينة كما هائلا من السيارات الحمراء الكبيرة الحجم والصغيرة والمختلفة الأشكال فقط  من أجل موسم حيث يمكنك  أن تلمحها متوقفة ومستعدة لأي طارئ بجنبات الخيام أو على أرصفة الفنادق والساحات المقامة فيها سهرات كولو العام زين، وأنت في طريقك لأي مكان بالمدينة، لابد لك أن تصادف واحدة أو أكثر....
توقفت سيارة الإسعاف بباب المستعجلات،  ترجلنا منها، واستقبلنا الطبيب، وبعد أن قام بالفحوصات الأولية، طلب منا عرض الطفلة على الفحص بالصدى "الراديو"، وما إأحضرنا له نتيجة الفحص وهي عبارة عن كليشي او صورة لجمجمة الرأس وضعها على سبورة مضاءة من الداخل لم نتبين منها أي شيء وبقينا نراقب ملامح وجهه لعلنا نستنج ونقرأ مافشلنا فيه أمام ذلك الضوء أو ماقد  يقوله الطبيب حتى دون ان ينبس بكلمة، إلا أنه حرر ورقة أخرى قبل أن يرتد علينا طرفنا، وامرنا بالتوجه فورا الى أكادير للقيام بفحص سكانير أو التصوير المقطعي المحوسب لأن الجهاز بكلميم معطل..!!! للتأكد بأن الصغيرة لاتعاني ارتجاجا في المخ أو شيئا من هذا القبيل، فارتج مخي بدلا منها وتزعزعت خاطري ورحت أكلم نفسي وأتساءل بهذه الكلمات:  كيف لمدينة لاتتوفر على سكانير  بعد أن كان سببا في حرااااك  شعبي خرجت فيه الساكنة عن بكرة أبيها شيبا وشبابا، رجالا ونساء، أطفالا ورضعا، معبرين عن سخطهم في ذلك أن تنظم مهرجانا بهذا الحجم !؟ وأي نظام هذا وأي ميثاق وأي شريعة وأي قانون يسعى جاهدا المحافظة على التراث دون الإنسان، كيف استطعتم أن تحركوا كل هذه القوات في ظرف خمسة أيام وتوفير  المأكل والمسكن والتنقل والمراحيض لها! بل وحتى تمويل كل ما من شأنه أن يصب أو يدور في فلك المحافظة على (تراثكم) ؟ أليس الإنسان أولا وأخيرا؟ ألم نستطع بعد تحديد أولوياتنا الوطنية والإنسانية والقيام بمبادرة ناجحة تعود على الإنسان والحيوان بالنفع؟ أليس حريا بنا التفكير في تحسين ظروف العيش الكريم من صحة وتعليم وخدمات وشغل قار بدل تلميع وتسويق صورة للخارج  كلفتنا الكثير على حساب متطلبات المدينة ؟، في المرة القادمة عندما تحاولون تلميعها لا تنسوا أن تتركوا لنا صنابير المياه مفتوحة خصوصا في الشهر الكريم، كيف لمدينة لاتتوفر على إسعاف ولا سكانير أن تقيم مهرجانا أو موسما بذلك الحجم ؟ إن الأمر أشبه بإعطاء الدواء لجثة...! تباااا لكم جميعا وتبا لأفكاركم وبرامجكم وطريقة تسييركم للأمور، وصور الفوتوشوب التي تفننتم في تركيبها واتقنتموها، وتبا لنا كذلك كساكنة وكمجتمع مدني...!
انطلقت سيارة إسعاف تسارع الريح بصغيرة كلها احلام في العودة للعب مع رفيقاتها على أمل في مستقبل مجهووول، مرفوقة بطبيب مساعد في إتجاه مدينة أكادير تاركة خلفها المحطة الإقليمية للطنطان مزينة بالأضواء وحراس الأمن السيكيريتي وكاميرات المراقبة وألوان الجدران  تستعد لإستقبال مسافرين جدد....
TAG

عن الكاتب :

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *